مجمع البحوث الاسلامية
860
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
ثمّ إنّهم بعد أن يصلوا مع الذّكر إلى بقاء العالم واستمراره - لأنّ نظامه البديع لا يمكن أن يجعله العليم الحكيم باطلا ، « أي لا في الحال ولا في الاستقبال » - وبعد أن يدعوا ربّهم أن يقيهم دخول النّار في الحياة الثّانية ، يتوجّهون إليه قائلين : رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ . . . آل عمران : 192 . ( رشيد رضا 4 : 300 ) رشيد رضا : أي يقول الّذين يجمعون بين التّذكّر والتّفكّر ، معبّرين عن نتيجة جمع الأمرين والتّأليف بين المقدّمتين : ربّنا ما خلقت هذا الّذي نراه من العوالم السّماويّة والأرضيّة باطلا ، ولا أبدعته وأتقنته عبثا ، سبحانك وتنزيها لك عن الباطل والعبث ، بل كلّ خلقك حقّ مؤيّد بالحكم ، فهو لا يبطل ولا يزول ، وإن عرض له التّحوّل والتّحليل والأفول ، ونحن بعض خلقك لم نخلق عبثا ، ولا يكون وجودنا من كلّ وجه باطلا ، فإن فنيت أجسادنا ، وتفرّقت أجزاؤنا ، بعد مفارقة أرواحنا لأبداننا ، فإنّما يهلك منّا كوننا الفاسد ، ووجهنا الممكن الحادث ، ويبقى وجهك الكريم ، ومتعلّق علمك القديم ، يعود بقدرتك في نشأة أخرى ، كما بدأته في النّشأة الأولى ، فريق ثبتت لهم الهداية ، وفريق حقّت عليهم كلمة الضّلالة ، فأولئك في الجنّة بعملهم وفضلك ، وهؤلاء في النّار بعملهم وعدلك . ( 4 : 300 ) الطّباطبائيّ : الباطل : ما ليس له غاية يتعلّق به الغرض ، قال تعالى : فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ الرّعد : 17 ، ولذلك لمّا نفوا البطلان عن الخلق لاح لهم أنّ اللّه سيحشر النّاس للجزاء ، وأنّه تعالى سيجزي هناك الظّالمين جزاء خزي وهو النّار ، ولا رادّ يردّ مصلحة العقاب وإلّا لبطل الخلقة ، وهذا معنى قولهم : فَقِنا عَذابَ النَّارِ * رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ آل عمران : 191 ، 192 . ( 4 : 87 ) 2 - وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ . ص : 27 الطّبريّ : يقول تعالى ذكره : وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما ، عبثا ولهوا ، ما خلقناهما إلّا ليعمل فيهما بطاعتنا ، وينتهي إلى أمرنا ونهينا . ( 23 : 152 ) الطّوسيّ : أخبر تعالى أنّه لم يخلق السّماء والأرض وما بينهما باطلا ، بل خلقهما وما بينهما بالحقّ لغرض حكميّ ، وهو ما في ذلك من إظهار الحكمة ، وتعريض أنواع الحيوان للمنافع الجليلة ، وتعريض العقلاء لمنافع الثّواب ، وذلك يفسد قول المجبّرة الّذين قالوا : إنّ كلّ باطل وضلال من فعل اللّه . ( 8 : 557 ) مثله الطّبرسيّ . ( 4 : 473 ) الزّمخشريّ : خلقا باطلا لا لغرض صحيح وحكمة بالغة ، أو مبطلين عابثين ، كقوله تعالى : وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ * ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ الدّخان : 38 ، 39 ، وتقديره : ذوي باطل ، أو عبثا . فوضع ( باطلا ) موضعه ، كما وضعوا « هنيئا » موضع المصدر ، وهو صفة .